محمد بن جرير الطبري

520

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

ثم قال : اسق يا زبير ، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر ، ( 1 ) ثم أرسل الماء إلى جارك . واستوعَى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه = قال أبو جعفر : والصواب : " استوعب " ( 2 ) = وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه الشفقة له وللأنصاري . فلما أحفظَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الأنصاريُّ ، ( 3 ) استوعب للزبير حقه في صريح الحكم = قال فقال الزبير : ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " ، الآية . ( 4 )

--> ( 1 ) " الجدر " ( بفتح الجيم وسكون الدال ) ، وهي الحواجز التي تحبس الماء . ( 2 ) الظاهر أن قول أبي جعفر : " والصواب : استوعب " ، إنما عنى به صواب الرواية في هذا الخبر بهذا الإسناد ، ولا أظن أبا جعفر ينكر " استوعى " أن تكون صحيحة ، فإن " استوعى " بمعنى : استوعب الحق واستوفاه ، عربي صحيح لا شك فيه . ( 3 ) " أحفظه " أغضبه . ( 4 ) الحديث : 9912 - سياق هذا الإسناد ظاهره أنه من حديث " الزبير بن العوام " - لقوله " أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام " . ويحتمل أن يكون من حديث " عبد الله بن الزبير " حكاية عن القصة . وقد جاء الحديث بسياقات أخر ، بعضها ظاهره أنه من حديث عروة بن الزبير - يحكي القصة ، فيكون ظاهره الإرسال . وبعضها ظاهره أنه من رواية عروة عن أبيه الزبير ، كما سيأتي : فرواه ابن أبي حاتم - فيما نقل عنه ابن كثير 2 : 503 - بإسناد الطبري هذا : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، به . وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى ، ص : 453 ، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن ابن وهب . وكذلك رواه الإسماعيلي ، فيما نقله عند الحافظ في الفتح 5 : 26 . ورواه النسائي 2 : 308 - 309 ، كرواية الطبري هذه . ولكن عن شيخين : يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين - كلاهما عن ابن وهب ، بهذا الإسناد - وعند هؤلاء جميعًا - كما هنا : " أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام " . ورواه أحمد في المسند : 16185 ( ج 4 ص 4 - 5 حلبي ) ، في مسند عبد الله بن الزبير - عن هاشم بن القاسم ، عن الليث ، عن ابن شهاب ، " عن عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : خاصم رجل من الأنصار الزبير " ، إلخ . وبنحو ذلك رواه البخاري 5 : 26 - 28 ، ومسلم 2 : 221 ، وأبو داود : 3637 ، والترمذي 2 : 289 - 290 ، وابن ماجة : 2480 ، وابن حبان في صحيحه : 23 ( بتحقيقنا ) - كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الله بن الزبير ، حكاية للقصة . وفي بعض ألفاظهم : " عن عروة : أن عبد الله بن الزبير حدثه " . وظاهر هذه الأسانيد أنه من حديث " عبد الله بن الزبير " - حكاية للقصة ، ليس فيها التصريح بروايته عن أبيه الزبير بن العوام . وقال البخاري عقب هذه الرواية : " ليس أحد يذكر : عروة عن عبد الله - إلا الليث فقط " . وقد تعقبه الحافظ ابن حجر برواية " النسائي وغيره " - المطابقة لرواية الطبري هنا وابن الجارود وابن أبي حاتم - أن يونس بن يزيد الأيلي ذكر فيه " عن عبد الله بن الزبير " ، كما ذكره الليث . بل زاد ابن وهب في روايته هذه عن يونس والليث : أنه " عن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه الزبير بن العوام " . ورواه أحمد في المسند : 1419 ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، قال ، " أخبرني عروة بن الزبير : أن الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار " - إلخ . وكذلك رواه البخاري 5 : 227 ( فتح ) ، عن أبي اليمان ، بهذا الإسناد ، كرواية أحمد . فهذه الرواية ظاهرها أن عروة يروي الحديث فيها عن أبيه الزبير بن العوام مباشرة . وقد نقل ابن كثير 2 : 502 - 503 هذه الرواية عن المسند . ثم قال : " هكذا رواه الإمام أحمد ، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير ، فإنه لم يسمع منه . والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله " . وقد تعقبته في شرح المسند : 1419 فقلت : إن الحديث حديث الزبير ، ولا يبعد أن يكون سمعه منه أبناه عبد الله وعروة ، وأن يكون عروة سمعه أيضًا من أخيه عبد الله ، أو ثبته عبد الله فيه . وأما ادعاء أن عروة لم يسمع من أبيه فالأدلة تنقضه ، فإنه كان مراهقًا أو بالغًا عند مقتل أبيه ، كانت سنه 13 سنة . وفي التهذيب 7 : 185 : " قال مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز : حج عروة مع عثمان ، وحفظ عن أبيه فمن دونهما من الصحابة " . وأزيد هنا أن البخاري صرح في ترجمة " عروة " في التاريخ الكبير 4 / 1 / 31 بسماعه من أبيه ، فقال : " سمع أباه وعائشة وعبد الله بن عمر " . وأن الإمام أحمد روى حديثًا آخر قبله : 1418 ، من طريق هشام بن عروة ، " عن عروة ، قال : أخبرني أبي الزبير " - وإسناده صحيح ، وفيه التصريح بسماع عروة من أبيه ، وأن الحافظ في الفتح 5 : 26 قال : " وإنما صححه البخاري - مع هذا الاختلاف - اعتمادًا على صحة سماع عروة من أبيه " . ورواه عروة أيضًا من عند نفسه ، حكاية للقصة ، دون أن يذكر أنه عن أخيه أو عن أبيه - فيكون ظاهره أنه حديث مرسل ، كما في الرواية الآتية عقب هذه ، وسيأتي باقي الكلام هناك .